الحَراكات الافتراضية

الحَراكات الافتراضية
في العام 2011 برزت مِنصَّتَا "فيسبوك" و"تويتر" في المنطقة العربية، بوصفهما أداتَين تُرافقان نبض الشارع وديناميكيته، إذ مثَّلَتا ذخيرة الحَراك لِحشد الناس في مناطق عدة من ميادين الاحتجاجات.

فُوجِئ الجميع آنذاك بقدرة هاتَين الأداتَين على المساهمة، في الدفع بفئات كثيرة من المجتمع صوب تغيير أوضاعها السياسية، إذ مثَّلَتا عاملَين مهمَّين ساهَما في إيصال المعلومات إلى عدد كبير من الناس، وأحدثا زخمًا وصل في نهاية المطاف إلى تغييرات عدة على أرض الواقع. 

بيْد أن دخول مثل هاتَين الأداتَين في حَراكات التغيير، لم يكن سوى مكمِّلٍ إضافي في شريان نضال طويل. فقد كانت هناك تراكمات متعددة للعمل الحقوقي والمدني، الذي مثَّل أساسًا لا بأس به لدعوات التغيير؛ أي أن بذرة الحراكات كانت بالأساس موجودة في الواقع المادي، ثم جاءت الأدوات الافتراضية لحشد الناس حولها.

كانت التوقعات بعدها بأن يزداد حضور المجتمع في شبكات التواصل، وأن يُستفاد من هذه الأدوات الجديدة في تحقيق المساءلة والمشاركة وتقويم مسارات الشأن العام، بهدف تحقيق تغيير أفضل في المجتمع.

وبالفعل، ما نشهده اليوم هو حضور مكثف للمجتمع في الفضاء الرقمي. لكن على عكس التوقع، لم يسهم هذا الحضور في بروز انتظام إيجابي، بل نرى اليوم ضعفًا في زخم الحراكات الفعلية على الأرض التي تسعى لتصويب الاختلالات، وقد نرى في بعض الأحيان أنها اختفت تمامًا، مع تردِّي الأوضاع وبروز الكثير من الأسباب الموضوعية التي تجاوزت سوء الواقع، الذي أدى إلى حراكات العام 2011. إذن ما الذي حصل؟ 

الجواب: إن الكثير من جهود التغيير تسربت إلى العالم الموازي "الرقمي". فحلَّ النضال الافتراضي محل النضال الفعلي. المظاهرة في الشارع صار يقابلها حملة إلكترونية. الهتاف يقابله هاشتاغ. والمناضلون/ات أصبحوا على هيئة مجموعات في منصات عدة.

ومع مرور الوقت، يزداد حضورهم على الفضاء الإلكتروني مقابل غيابهم على الأرض. وعلى الرغم من قدرة شبكات التواصل على إبراز عديد من القضايا المرتبطة بالشأن العام، فإنَّ هذه القضايا بدَت حالاتٍ جزئية، وليس تغييرًا جذريًّا لوضعٍ جمعيٍّ كامل.

"لقد كتبتُ منشورًا عن قضية مهمة لاقى الكثير من الإعجاب". مِثل هذه العبارة صارت تُسمع في الكثير من النقاشات، باعتبارها مُنجَزًا يستحق التصفيق. ومعها أصبحت كتابة الرأي مستهلِكة لطاقة الفعل؛ أي أن الحماسة التي تَسكن الكثير من الناشطين والناشطات من أجل العمل العام، باتت تتسرب في أودية غير مرئية في الواقع.

فيجد الكثير من الفاعلين الذين كان لهم أثر في الواقع المادي، أنَّ أدوارهم انتهت عند حدود التدوين. وهنا، برزت مشكلة النضال الافتراضي بوصفه إسقاطًا واجبًا، دون النظر إلى جدواه. 

أيضًا ارتبط هذا النضال بمحدودية وُصول كثير من المجتمعات إلى الإنترنت. وتحتل الأمية الرقمية في المنطقة العربية نسبة كبيرة، مقارَنةً بالكثير من شعوب العالم. هذه المشكلة تجعل نسبة كبيرة من المجتمعات العربية، بعيدة كليًّا عما يدور في العوالم الافتراضية. 

في المقابل، تكرست حالة النخبوية في مسألة التغيير والتفكير المرتبطَين بالشأن العام. ونظرًا إلى الطبيعة التقنية لطريقة عمل الفضاءات الرقمية، ظهرت حالة من العزلة البَينية.

فالمحتوى الرقمي الذي يَظهر لمستخدمي الشبكات، مبني على ما يتلاءم مع تفضيلاتهم، وإخفاء كل ما يخالف توجهات الأفراد. هذه الخاصية خلقت جزرًا معزولة داخل محيط هذا الفضاء. فنجد الكاتب أو المثقف يقوم بالكتابة حول قضية مهمة من وجهة نظره، لكنه في نهاية المطاف يجد أن معظم القراء هم ممن يوافقونه في الرأي. فيصبح هذا الفعل نوعًا من ممارسة عمل في مساحة مغلقة، بعيدًا عن التفاعل المستحق. 

ما يغيب عن الوعي أن النضال الافتراضي مهم، لكنه ليس بديلًا عن العمل المؤسساتي الواقعي. وإنْ كان قد سُجِّل نجاح لمثل هذه الأدوات الرقمية في مسيرة بعض المجتمعات، فإن ذلك يعود لارتباطه بفعلٍ مُصاحِب على أرض الواقع.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن للمجتمعات أن تُحدث تغييرًا حقيقيًّا دون مواجهة الواقع، وإلَّا فإنَّ طموحات التغيير الإيجابي ستبقى افتراضية فقط.

المصدر: موقع تعددية الإلكتروني

Islamofobi السابق

Islamofobi

ملكة جمال بورما السابقة تنضم إلى مجموعة مسلحة لمحاربة الجيش والانقلاب العسكري التالي

ملكة جمال بورما السابقة تنضم إلى مجموعة مسلحة لمحاربة الجيش والانقلاب العسكري

شاركنا تعليقك