لماذا نخشى الصمت؟

لماذا نخشى الصمت؟

قُبيل كتابة هذه المقالة، تملَّكَتني الحَيرة في أي موضوع يمكنني أن أكتب! كنتُ أخشى أن أكرر نفسي، فأقول ما سبق لي قوله -ولو بصياغة مختلفة-. لذا، قررتُ أن تكون حيرتي موضوع مقالتي. لماذا نخجل من الحيرة؟ ولماذا لا يكون الصمت موضوعًا للتفكّر؟

هناك صِنف من الناس عليهم أن يتحدّثوا أو يكتبوا باستمرار، مثل الأساتذة والكُتَّاب والصحفيين.

وجهودهم تُقدّر بقدر ما يكتبون أو يتحدّثون. وهذه مشكلة حقيقية، أو بالأحرى ورطة محترَمة: كيف يمكن للمرء أن يتحدّث أو يكتب من دون أن يتسبب في الملل والضجر لِمُستمعيه أو قُرّائه؟ هذا التساؤل يشمل أيضًا الفنانين والمبدعين عمومًا كالرسامين والمخرجين.

نشعر أحيانًا بأنها القصص نفسها، تتكرر مع “بهارات” أو “صلصَات” مختلفة. كم هي الأفلام التي فيها مطاردات أو حبكات متشابهة، وكأنَّ غاية العمل هي شغل البال -ولو مدة وجيزة-، وليس إعمال الفكر أو تدبُّر الفكرة، أو كأنها قوالب تتغير فيها بعض التفاصيل، لكن الجوهر هو نفسه.

كثير مما ينتجه الإنسان في حقول الترفيه والفن التجاري هو من باب التخدير، وخَلْق حالات من الانقطاع المؤقت عن حبل الأحداث اليومية أو العمل الرتيب.

لماذا كل هذا التكرار؟ وكأنَّ الحياة باتت “فيلمًا” مكرَّرًا إلى حدّ الملل!

لعلّنا فقَدْنا قيمة الصمت والتأمّل. منطق العصر يفرض علينا السعي المتواصل، أو بالأحرى الهرولة إلى آخر نفَس.

ثم إن كبار العلماء الذي قطعوا شوطًا كبيرًا في المعرفة، مِن حقهم أن يتوقفوا أحيانًا، أو أن يصابوا بالحيرة.

تلك قصة أبي حامد الغزالي، الذي كان عالِمًا مرموقًا في المدرسة النظامية في بغداد، أتى عليه زمان كان يذهب فيه إلى حلقة الدرس، ويبقى ساكتًا لا يَنبس ببِنت شفة. يُمضي الوقت بين صمته وحيرة طلابه.

وفي نهاية المطاف اختفى عن الأنظار، ليهيم على وجهه في البلدان كسائحٍ نكرة لا يعرفه أحد، ثم عاد بعد سنوات شخصًا آخر.

لقد كانت حَبَّة الشك كفيلة بهدم البناء كله، وجعْلِه غير قادر على الكلام. أيُّ كلام؟ هل هو قَولي، أم قول أنقُله وأكرِّره؟ وما مدى قناعتي ويقيني بما أقول؟ وهل نتحمّل فعلًا قيمة الكلمة، أم أنها مجرد عادة وتكرار لما سبق؟

لقد شهدتُ مجموعةً من تجارب الصمت، التي قد تبدو غريبة ومحرجة.

في إحدى المرات، طلَب منا الأستاذ أن نلخّص كُتبًا في موضوعات مختلفة. لقد كان الأستاذ راهبًا مسيحيًّا، والطلبة من أديان مختلفة.

عندما أتى دور الراهب البوذي ليقدِّم عرضه، قام بشيء غريب. لقد رمى “السبُّورة” بقطعة من الطباشير، ثم انفجر ضاحكًا بلا توقُّف. وهكذا كانت ضحكاته مُعْدية لكل الحضور، حيث ضج القِسم بالضحك طول المدة المخصصة للعرض. بعدها، عاد الطالب إلى مقعده في صمت.

في مناسبة أخرى، وخلال لقاء حواري، عندما حان دور راهب بوذي آخر للحديث، قال: “سأخصص وقتي للصمت”! فبقينا صامتين مدة عشرين دقيقة (زمن المداخلة). نام خلالها بعضنا، وكاد بعضنا الآخر ينفجر ضجرًا أو غيظًا. لم يشرح الراهب سبب اختياره، تاركًا لنا حرية التأويل أو الحيرة والارتباك.

كثير منا لم يتدربوا على مَلْءِ الفراغ، ولا يعرفون طريقة التأمل في صمت. وهي طريقة تمثِّل جزءًا أساسيًّا من الأديان الشرقية، كالبوذية والهندوسية.

قد يكون هذا تفسيرًا لقول النبي محمّد: “قُلْ خيرًا أو اصمتْ”، والذي كان هو نفْسُه طويل الصمت.

لقد أصبح الصمت يزعجنا ويحرجنا، لأنه يجبرنا على مواجهة أنفسنا والنظر فيها. وذلك ما نخشاه ونتهرب منه بكل الوسائل المتاحة.

لا بد أن نملأ كل الفراغات بالكلام وبالفقاعات الفارغة. فإنْ سكَتْنا يُعدّ ذلك من قلة الأدب، أو عدم حفاوة بمن نرافقه، أو من علامات الخجل وضعف الشخصية.

الصمت يسبق الكلمة، إنه مَحْضَن الفكرة، والأفق الذي يشرق منه النور. إنه تلك السكينة التي تسمح للغبار بأن يستقر، ويجعل الضَّبَابة تنقشع. إنْ لم نحسن الاختيار في التوّ، فلنتوقف، ولنصمت، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فتتوضح الأمور، ويصبح الاختيار ممكنًا.

من الشعائر الإسلامية الاعتكاف والخلوة. وكان النبي يتحنَّث في غار “حِرَاء” قبل أن يتنزّل عليه الوحي.

وكان من سنن الأنبياء السابقين -كما يَذكر القرآن الكريم- الصوم عن الكلام، مثلما فعل زكريا ومريم. وهي سُنّة جديرةٌ بالإحياء، في زمن كَثُر فيه الكلام، وقلَّ فيه المعنى.

المصدر: عدنان المقراني (تونس)، موقع تعددية

https://taadudiya.com/لماذا-نخشى-الصمت؟/

Ytterligare 309 polisstudenter går ut på aspiranten السابق

Ytterligare 309 polisstudenter går ut på aspiranten

شاركنا تعليقك